• عدد المراجعات :
  • 1522
  • 4/20/2009
  • تاريخ :

التمثيل الثامن والاَربعون : لقمان الحکيم

النبي

( هُوَ الّذي أرسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى وَ دِينِ الحَقّ ، لِيُظْهِرَهُ عَلى الدّينِ كُلّهِ، وَ كَفى بِاللهِ شَهيداً * مُحَمّدٌ رَسُولُ الله ، و َالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ على الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ، تَراهُمْ رُكّعاً سُجّداً ، يَبْتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللهِ وَ رِضواناً ، سيماهُمْ في وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُود ، ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوراةِ ، وَ مَثَلُهُمْ فِى الاِِنْجِيلِ ، كَزَرعٍ أَخْرَجَ شطأهُ فَآزره ، فَاسْتَغْلَظَ ، فَاستَوى عَلى سُوقِهِ ، يُعْجِبُ الزُّرّاعَ ، لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ ، وَعَدَ اللهُ الّذينَ آمَنُوا ، و َعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجراً عَظِيماً ). (1)

تفسير الآيات

"السيماء": العلامة، فقوله: ( سيماهم في وجوههم )، أي علامة إيمانهم في وجوههم.

شطأ الزرع: فروخ الزرع، وهو ما خرج منه، وتفرع في شاطئيه أي في جانبيه وجمعه إشطاء، وهو ما يعبر عنه بالبراعم.

"الاَزر": القوة الشديدة ، آزره أي أعانه وقوّاه.

"الغلظة" : ضد الرقة.

"السوق": قيل هو جمع ساق.

القرآن يتكلم في هاتين الآيتين عن النبي تارة و أصحابه أُخرى:

أمّا الاَوّل فيعرّفه بقوله: ( هُوَ الّذي أرسَلَ رَسُولهُ بِالهُدى وَ دِينِ الحَقّ ، لِيُظْهِرَهُ عَلى الدّينِ كُلّهِ ، وَكَفى بِاللهِ شَهيداً )،  و الضمير "ليظهره" ، يرجع إلى دين الحقّ لا الرسول، لاَنّ الغاية ظهور دين على دين ، لا ظهور شخص على الدين، و المراد من الظهور ، هو الغلبة في مجال البرهنة و الانتشار، و قد تحقّق بفضله سبحانه ، و سوف تزداد رقعة انتشاره ، فيضرب الاِسلام بجرانه في أرجاء المعمورة، و لا سيما عند قيام الاِمام المهدي المنتظر (عليه السلام) .

يقول سبحانه في هذا الصدد: ( محمّد رسول الله ) ، أي الرسول الذي سوف يغلب دينه على الدين كله، و قد صرح باسمه في هذه الآية، إلاّ أنّه أجمل في الآية الاَُولى ، و قال: "أرسل رسوله".

إلى هنا تمّ بيان صفات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و سماته، و أمّا صفات أصحابه فجاء ذكرهم في التوراة و الاِنجيل.

أمّا التوراة فقد جاء فيها وصفهم كالتالي:

1. ( والّذين معه أشداء على الكفّار )، الذين لا يفهمون إلاّ منطق القوة، فلذلك يكونون أشداء عليهم.

2. ( رُحماء بَينهم ) ، فهم رحماء يعطف بعضهم على بعض ، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) :( مثل الموَمنين في توادّهم و تعاطفهم و تراحمهم مثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمّى) . (2)

3. ( تراهم ركّعاً سُجّداً )، هذا الوصف ، يجسّد ظاهر حالهم ، و انّهم منهمكون في العبادة، فلذلك يقول: ( تراهم ركعاً سجداً )، أي تراهم في عبادة، التي هي آية التسليم لله سبحانه.

و مع ذلك ، لا يبتغون لعبادتهم أجراً ، و إنّما يأملون فضل الله ، كما يقول : ( يبتغون فضلاً من الله ورضواناً )، ولعل القيد الاَخير إشارة إلى ، أنّ الحافز لاَعمالهم ، هوكسب رضاه سبحانه.

و من علائمهم الاَُخرى ، انّ أثر السجود في جباههم، كما يقول : ( سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) ، فسيماهم و وجوههم ، تلمح إلى كثرة عبادتهم ة، و سجودهم ، و خضوعهم لله سبحانه، و هذه الصفات مذكورة أيضاً في الاِنجيل.

إنّ أصحاب محمد ، لم يزالوا يزيدون باطّراد في العدة و القوة ، و بذلك يغيظون الكفار، فهم كزرع قوي و غلظ ، و قام على سوقه ، يعجب الزارعين بجودة رشده.

و لم يزالوا في حركة دائبة و نشيطة، فمن جانب يعبدون الله مخلصين له الدين بلا رياء و لا سمعة، و من جانب آخر يجاهدون في سبيل الله بغية نشر الاِسلام ، و رفع راية التوحيد في أقطار العالم.

فعملهم هذا يغيظ الكفار ، و يسرّ الموَمنين ، قال سبحانه: ( و مثلهم في الاِنجيل كزرع ، أخرج شطأه ، فآزره ، فاستغلظ ، فاستوى على سوقه ، يعجب الزراع ، ليغيظ بهم الكفّار ).

فالمجتمع الاِسلامي بإيمانه و عمله و جهاده و حركته الدوَوبة نحو التكامل ، يثير إعجاب الاَخلاّء و غيظ الاَلدّاء.

ثمّ إنّه سبحانه وعد طائفة خاصة من أصحاب محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) مغفرة و أجراً عظيماً، و ذلك لاَنّ المنافقين،  كانوا مندسّين في صفوف أصحابه، فلا يصح وعد المغفرة لكلّ من صحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ورآه و عاش معه و قلبه خال من ا لاِيمان ، و لذلك قال سبحانه: ( وَعَدَ اللهُ الّذينَ آمَنُوا ، وَ عَمِلُوا الصّالِحات مِنْهُمْ مَغْفِرَة ، وَ أَجْراً عظيماً )، فكلمة "منهم" ، تعرب عن أنّ المغفرة لا تعم جميع الاَصحاب بل هي مختصة بطائفة دون أُخرى.

و ما ربما يقال من أنّ "من" بيانية ، لا تبعيضية غير تام.

لاَنّ «من» البيانية ، لا تدخل على الضمير، وي وَيد ذلك قوله: ( وَ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النّفاقِ ، لاتَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) . (3)

و الحاصل: انّه لا يمكن القول بشمول أدلة المغفرة و الاَجر العظيم لقاطبة من صحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع أنّهم على أصناف شتى.

فمن منافق معروف، عرّفه الذكر الحكيم بقوله: ( إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُون ).(4)

إلى آخر مختفٍ لا يعرفه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال سبحانه: ( وَ مِنْ أَهْلِ المَدينَة مَرَدُوا علَى النّفاق ، لا تعلَمهم نَحنُ نَعْلَمهم ) .

إلى ثالث يصفهم الذكر الحكيم بمرضى القلوب، و يقول: ( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً ) . (5)

إلى رابع سمّاعون ، لنعق كل ناعق فهم كالريشة في مهب الريح ، يميلون تارة إلى المسلمين ، و أُخرى إلى الكافرين، يصفهم سبحانه بقوله ( لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ ، إِلاّ خَبالاً وَ لاَوضَعُوا خِلالَكُمْ ، يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ و فِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ ، وَ اللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمين ) . (6)

إلى خامس خالط العمل الصالح بالسيّء ، يصفهم سبحانه بقوله: ( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وآخَرَ سَيّئاً ) . (7)

إلى سادس أشرفوا على الارتداد، عرّفهم الحق سبحانه بقوله: ( وَ طائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ، يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الحَقّ ظَنَّ الجاهِليةِ ، يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الاََمْرِ مِنْ شَىْءٍ ، قُلْ إِنَّ الاََمْرَ كُلَّهُ للهِ ، يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ ) . (8)

إلى سابع يصفه القرآن فاسقاً، و يقول: ( يا أَيّها الّذِينَ آمَنُوا ، إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبأٍ فَتَبَيَّنُوا ، أن تُصِيبُوا قَوماً بِجَهالَةٍ ، فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِين ) . (9)

و المراد ، هو الوليد بن عقبة صحابي سمي فاسقاً، و قال تعالى: ( فَإِنَّ اللهَ لا يَرضَى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِين ).(10)

إلى ثامن يصفهم الذكر الحكيم مسلماً غير موَمن و يصرِّح بعدم دخول الاِيمان في قلوبهم، و يقول: ( قالَتِ الاََعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُوَْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلمّا يَدْخُلِ الاِِيمانُ فِي قُلُوبِكُم ) . (11)

إلى تاسع أظهروا الاِسلام لاَخذ الصدقة لا غير، و هم الذين يعرفون بالموَلّفة قلوبهم ، قال: ( إِنّما الصّدقاتُ لِلْفُقَراءِ ، وَ الْمَساكِين وَ العامِلِينَ عَلَيْها وَ المُوَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ) . (12)

إلى عاشر يفرّون من الزحف فرار الغنم من الذئب، يقول سبحانه:

( يا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا ، إِذا لَقِيتُمُ الّذينَ كَفَرُوا زَحْفاً ، فَلا تُوَلُّوهُمُ الاََدْبار* وَ مَنْ يُوَلِّهْم يَومَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحيِّزاً إِلى فئِةٍ ، فَقَدْ باءَ ، بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَ مأْواهُ جَهَنَّمُ وَبئسَ المَصير ) . (13)

و كم نطق التاريخ بفرار ثلّة من الصحابة من ساحات الوغى، يقول سبحانه عند ذكر غزوة أُحد: ( إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ ) (14)، و لم يكن الفرار مختصاً بغزوة أُحد ، بل عمّ غزوة حنين أيضاً، يقول سبحانه: ( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَة ، و َيَوْمَ حُنَيْنٍ ، إِذْ أَعجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ، فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً ، وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الاََرْضُ ، بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَ لَّيْتُمْ مُدْبِرِين ). (15)

هذه إلمامة عابرة بأصناف الصحابة المذكورة في القرآن الكريم، أفيمكن وعد جميع هذه الاَصناف بالمغفرة؟!

مضافاً إلى آيات أُخرى تصف أعمالهم.

نعم كان بين الصحابة رجال مخلصون يستدرُّ بهم الغمام، و قد وصفهم سبحانه في غير واحد من الآيات التي لا تنكر.

والكلام الحاسم: انّ وعد المغفرة لصنف منهم لا لجميع الاَصناف، كما أنّ عدالتهم كذلك.

----------------------------------------------------------------------------

الهوامش

1 ـ الفتح:28 ـ 29.

2 ـ مسند أحمد بن حنبل:چ 4|270 و 268 و 274.

3 - التوبة:101.

4ـ المنافقون:1.

5 ـ الاَحزاب:12.

6 ـ التوبة:47.

7 -التوبة:102.

8 - آل عمران:154.

9ـ الحجرات:6.

10- التوبة:96.

11- الحجرات:14.

12- التوبة:60.

13- الاَنفال:15ـ 16.

14-آل عمران:153.

15- التوبة:25.


التمثيل السابع والاَربعون :لقمان الحکيم

التمثيل السادس والاَربعون : لقمان الحکيم

التمثيل الخامس والاَربعون :لقمان الحکيم

التمثيل الرابع و الاَربعون :لقمان الحکيم

التمثيل الثالث والاَربعون : لقمان الحکيم

التمثيل الثاني والاَربعون :لقمان الحکيم

التمثيل الواحد و الاَربعون : لقمان الحکيم

التمثيل الاَربعون :لقمان الحکيم

التمثيل التاسع والثلاثون :لقمان الحکيم

التمثيل الثامن والثلاثون :لقمان الحکيم

التمثيل السابع والثلاثون :لقمان الحکيم

التمثيل السادس والثلاثون :لقمان الحکيم

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)