• عدد المراجعات :
  • 668
  • 10/29/2012
  • تاريخ :

في معنى المولى

علي بن ابي طالب

ولقد أجاد العلامة الأميني في مفاد الحديث ودفع كل ما استطاع المغرضون في تأويل الحديث ودفعه عن معناه الواقعي فبيّن معناه المناسب لحجم الواقعة رغم التضليل الإعلامي القوي فساق الشواهد اللغوية والأدبية من أشعار العرب والقرائن الداخلية والخارجية المحاطة بالكلام والأحاديث الأخرى التي تصلح أن تكون مفسّرة وشاهدة لهذا الحديث فذكر اكثر من عشرين قرينة لتعيين المولى في معنى الولاية الإلهية والخلافة والإمامة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

بل ذكر أكثر من عشرة محدثين من أئمة الحديث قالوا بهذا المفاد رغم اعتراف أكثر من ستين محدثاً بأن الشيخين قالا لعلي (عليه السلام): بخ بخ لك يا علي أصبحت.. وفي بعضها وأمسيت مولاي ومولى كل مۆمن ومۆمنة.

ووجه نقداً علمياً وأديباً للذين قالوا بخلاف ذلك مثل الفخر الرازي وابن حزم الأندلسي وغيرهم ولأجل توضيح الفكرة وتقريبها نعلّق على كلامه الشريف: بعد وضوح كون حديث الغدير متواتراً ولا غبار على سنده بل حتى وضوح معناه فكيف للعاقل اللبيب أن يغفل عن أهمية الحركة التاريخية التي حدثت في السنة الأخيرة من حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، حتى أعلن سفره الأخير وانتشر إعلانه في الآفاق فقصد الناس مكة المكرمة من قريب وبعيد ليأخذوا مناسكهم عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وكأنهم فهموا أن ذلك آخر سفر للنبي من قرائنه، فهمّوا أن ينالوا حظهم من لقائه الشريف فلذا خرجت الآلاف المۆلفة إلى مكة كما عرفت تفاصيل السفر الشريف إلى أن كان يوم عرفة - كما نقل بعض المحدثين والمۆرخين والمفسرين - فنزلت الآية: (يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك.. ) حتى إذا كان اليوم الثامن عشر من ذي الحجة من رجوع النبي ووصوله إلى مفترق الطرق في قرب الجحفة فأعلن حينذاك وصدع بالأمر الإلهي وجمع الناس - كما مرّ عليك في الحديث - ونصب علياً إماماً وهادياً وخليفة من بعده وهذا كان بلاغه. ولابد أن نقف ونتأمل فيما يحمله الخطاب الإلهي فالآية (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (الأنعام: 67).

تضمنت أربعة مطالب:

الأول: الخطاب بالرسالة مع بلاغ ما أنزل؛ فأما الخطاب بالرسالة فمشعر بل دال على وظيفة الرسول وأداء الرسالة بما أنزل، فما هو الذي أنزل؟.

الثاني: إن عدم بلاغ هذا الأمر مساو لعدم الرسالة كلاً، فبدونه لا تتم الرسالة بل لم يبلغ الرسالة الإلهية التي لأجلها أرسل.

الثالث: حملت له الضمان والعصمة من الناس وهذا يشير إلى ما في نفسه الشريفة في تبليغ هذا الأمر من الخشية دون بقية أمور الرسالة فما هو ذاك؟.

الرابع: إن عدم قبول هذا الأمر مساوٍ للكفر وإن الله تعالى لا يهدي القوم الكافرين لكفرهم بهذا الأمر.

والتأمل في الأمر الأول والثاني وفي زمان نزول الآية، فإنها نزلت بإتفاق المفسرين في حجة الوداع يعني قبل وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بسبعين أو تسع وسبعين يوماً ففي 23 سنة من البعثة قد أدى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر الرسالة وصدع بها ولم يخش إلا الله تعالى وكان في كل ذلك مۆيداً ومسدداً بالروح الإلهي فقد حاربه قومه وأخرج من دياره وهاجر من وطنه الذي عاش فيه (53) سنة فعاش بعد بعثته (13) سنة وتحمّل ما تحمّل لأجل الرسالة المقدسة حتى وردنا من قوله المشهور (ما أوذي نبي مثلما أوذيت) وسكن بعد هجرته المدينة (10) سنوات فعلّم الأمة أحكامها ومكارم الأخلاق ورباها على العلاقات الفردية والاجتماعية بل حتى العلاقة مع الله تعالى وبقي من حياته (79) يوماً فينزل الخطاب (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ.. ) فما عسى بقي من الرسالة حتى يبلغهم فقد دعاهم للحج وعلمهم الحج وأقامه، وهو آخر ما تبقى من العبادات والأعمال ونزلت الآية إلا آيات متعددة بقيت فنزلت في المدة المتبقية من أيامه الشريفة فما عساه أن يبلغ وما بقي من أمر الرسالة الذي كان يساوي التوحيد والنبوة والمعاد وبدونه لا رسالة مقبولة ولا توحيد ونبوّة ومعاد مقبول؟ فانتفاء هذا الأمر يساوي انتفاء الدين كله. وماذا عمل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد هذا الأمر الإلهي فقد اتفق المفسرون والمۆرخون وأصحاب السير والمحدثون على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جمع الناس في يوم غدير خم في الثامن عشر من ذي الحجة عند رجوعه من مكة ووصوله إلى قريب الجحفة ونبئهم بهذا الأمر الإلهي وخطبهم الخطبة المعروفة التي نقلنا شيئاً منها ونصب علياً (عليه السلام) ولياً وإماماً وخليفة من بعده وبعدها نزلت الآية (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً) (المائدة: 39)، باتفاق المفسرين فبأمر الإمامة تستمر النبوة (إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) فالإمامة تكون حسب هذه الآية من أصول الدين وكما أن التوحيد والمعاد والنبوة أمر إلهي لا تتدخل فيه أهواء الناس بل عليهم اتباعه حسب ما دلّ عليه الدليل، فكذلك أمر الخلافة والإمامة عليهم اتباعه كالنبوة باختيار إلهي، وقد أشار الحديث المتفق عليه بين علماء الأمة إلى هذا المعنى، وهو قول عبد الله بن عمر وغيره عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية). فعدم معرفة الإمامة مساو لعدم التوحيد والنبوة والمعاد بل مساو للموت على الجاهلية قبل الإسلام، فمن مات ولم يعرف إمام زمانه مات على ما مات عليه أهل الجاهلية قبل الإسلام. وهكذا شخص معرفته تساوي التوحيد والنبوة والمعاد ألا يكون القول بإمامته من الأصول؟ حيث إن معنى الأصل: الذي يبنى عليه غيره، والإمامة تبنى عليها الأصول الثلاثة الأخرى، فلا تكون أقل أهمية من تلك الأصول فبالآية والحديث تعرف أهمية الإمامة، فبها يتم الدين وبدونها لا دين.

لمثل هذا الأمر المهم جداً خشي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على الأمة، بل خشي منهم الكفر والتفرق عنه وأشفق عليهم من تبليغ هذا الأمر حتى تكرر الأمر الإلهي. فقام وصدع به، وبهذا تبيّن لك الأمر الأول والثاني، بل والأمر الثالث والرابع حيث حملت له الضمان (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ) وبالفعل قد وقع ما كان يترقب من المنافقين حيث فصل في طريقه، دحرج المنافقون عليه دباب من الجبل، وأرادوا أن تنفر به الدابة حتى يسقط في الوادي، ولكن أمر الله فوق ما يتصور البشر، وتحقق الوعد الإلهي، ونجى منها سالماً.. فراجع في ذلك الحوادث التي وقعت في سنة عشرة للهجرة في رجوع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من حجة الوداع، تعرف ذلك مضافاً إلى أنه سمى هۆلاء المنافقين المتظاهرين بالإسلام، الذين يكيدون للإسلام والمسلمين المكائد سماهم كفاراً وعاقبتهم الضلال والنار (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) فاتضح لك أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جمع الناس لا لكي يقول لهم علي ابن عمي أو يقول علي محب لي وأنا أحبه أو ناصري وأنا ناصره أو غير ذلك من التأويلات التي ارتكبها أهل التعسف، فكيف يمكن أن يقال ذلك والآية تعلن بكل صراحة عن أمر مهم لولاه لا يكون الدين والرسالة؟ ومن ذلك تعرف أهمية هذا الأمر الذي أجهد العلامة الأميني نفسه لأجل إثباته وتوضيح المراد منه وما حف المقام من وقائع وما نزل من آيات وما قيل من أحاديث وما قاله الصحابة هناك؛ في كل ذلك دلائل وقرائن على صحة ومتانة ما ذهب إليه صاحب الغدير.


الاميني وكتـــاب الغــديــــر

الغدير كما قاله الرسول (ص)

الغدير في التراث الإسلامي

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)